حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

558

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم ، وكانت معايشهم منها . فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج . ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة . وعن ابن عمر أن رجلا قال له : إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج ، وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا . فقال : سأل رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فدعا به فقال : أنتم حجاج . وعن عمر أنه قيل له : هل كنتم تكرهون التجارة في الحج ؟ فقال : وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج ؟ ! وعن جعفر الصادق رضي اللّه عنه : أن ابتغاء الفضل هاهنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل اللّه تعالى ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان . واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان ، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ [ الفتح : 29 ] وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ [ النساء : 83 ] ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [ الحديد : 21 ] وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النساء : 113 ] ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] . فَإِذا أَفَضْتُمْ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة . التقدير : أفضتم أنفسكم . فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا . وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة « ثوب أخلاق » و « برمة أعشار » ثم سئل : هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث ؟ فقيل : إنه لم يبق علما بعد ما جمع ثم جعل علما لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف . وقيل : إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو « مسلمات » ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار اللّه وكثير من المتأخرين . وأن هذا التنوين تنوين الصرف . قالوا : إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو « مسلمات وعرفات » ضعيف . فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت ، والباقية علامة لجمع المؤنث ، وزيف بأن عرفات مؤنث . وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثا تقول « هذه عرفات مباركا فيها » ولا يجوز « مباركا فيه » إلا بتأويل بعيد كما في قوله « ولا أرض أبقل إبقالها » فتأنيثها لا يقصر